ابن كثير

399

البداية والنهاية

المنصور استدعاه من الحج فولاه الوزارة ، وكان يتعاظم على أكابر الامراء ويسميهم بأسمائهم ، ولا يقوم لهم ، فلما قتل أستاذه الأشرف تسلموه بالضرب والإهانة وأخذ الأموال ، حتى أعدموه حياته ، وصبروه وأسكنوه الثرى ، بعد أن كان عند نفسه قد بلغ الثريا ، ولكن حقا على الله أنه ما رفع شيئا إلا وضعه . ثم دخلت سنة أربع وتسعين وستمائة استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وأشهرا ، ومدبر الممالك وأتابك العساكر الأمير زين الدين كتبغا ، ونائب الشام الأمير عز الدين أيبك الحموي ، والوزير بدمشق تقي الدين توبة التكريتي ، وشاد الدواوين شمس الدين الأعسر ، وقاضي الشافعية ابن جماعة ، والحنفية حسام الدين الرازي ، والمالكية جمال الدين الزواوي ، والحنابلة شرف الدين حسن ، والمحتسب شهاب الدين الحنفي ، ونقيب الاشراف زين الدين بن عدنان ، ووكيل بيت المال وناظر الجامع تاج الدين الشيرازي ، وخطيب البلد شرف الدين المقدسي . فلما كان يوم عاشوراء نهض جماعة من مماليك الأشرف وخرقوا حرمة السلطان وأرادوا الخروج عليه ، وجاؤوا إلى سوق السلاح فأخذوا ما فيه ، ثم احتيط عليهم ، فمنهم من صلب ومنهم من شنق ، وقطع أيدي آخرين منهم وألسنتهم ، وجرت خبطة عظيمة جدا ، وكانوا قريبا من ثلاثمائة أو يزيدون . سلطنة الملك العادل كتبغا وأصبح الأمير كتبغا في الحادي عشر ( 1 ) من المحرم فجلس على سرير المملكة ، وخلع الملك الناصر محمد بن المنصور ، وألزمه بيت أهله ، وأن لا يخرج منه ، وبايعه الامراء على ذلك ، وهنئوه ومد سماطا حافلا ، وسارت البريدية بذلك إلى الأقاليم ، فبويع له وخطب له مستقلا وضربت السكة باسمه ، وتم الامر وزينت البلاد ، ودقت البشائر ، ولقب بالملك العادل ، وكان عمره إذ ذاك نحوا من خمسين سنة ، فإنه من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في أيام الملك الظاهر بعد وقعة عين جالوت ، وكان من الغويرانية ، وهم طائفة من التتر ، واستناب في مصر الأمير حسام الدين لاجين السلحداري المنصوري ، وكان بين يديه مدير المماليك . وقد ذكر الجزري في تاريخه عن بعض الامراء أنه شهد هولاكو خان قد سأل منجمه أن يستخرج له من هؤلاء المقدمين في

--> ( 1 ) في مختصر أبي الفداء 4 / 31 : يوم الأربعاء تاسع محرم .